||

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

الإعجاز العلمي فى السنة النبوية

إسلاميات

الصحة العامة

التغذية السليمة

الصحة النفسية

» » » دعوة للتفكر : مشاهد رحمة الله والتعاون والتضحية في عالم الحيوان :
«
Next
رسالة أحدث
»
Previous
رسالة أقدم



هناك طيور تقوم بتمثيل دور الجريح لصرف نظر العدو المفترس عن الفراخ الصغيرة، فعند إحساس الأنثى باقتراب الحيوان المفترس تتسلل بهدوء من العش ولما تصل إلى مكان وجود العدو تبدأ في التخبط وضرب أحد جناحيها على الأرض وإصدار أصوات مليئة بالاستغاثة وطلب النجدة، بيد أن هذه الأنثى تأخذ حذرها اللازم فهي تمثل هذا الدور على بعد مسافة ما من الحيوان المفترس، ويتوهم أن الأنثى المستغيثة تعتبر غنيمة سهلة ولكنه بذهابه في اتجاهها يكون قد ابتعد عن مكان وجود الفراخ الصغار، ثم تنهي الأنثى تمثيلها وتهب طائرة مبتعدة عن الحيوان المفترس.
إن هذا المشهد التمثيلي يتم أداؤه بمهارة مقنعة للغاية، وكثيراً ما تنطلي هذه الحيلة على القطط والكلاب والأفاعي وحتى على بعض أنواع الطيور.
أما تلك التي تبني أعشاشها على مستوى سطح الأرض فيعتبر التمثيل أداة فعالة وناجحة في حماية فراخها من الأعداء المفترسين، فالبط على سبيل المثال يقوم بتمثيلية العاجز عن الطيران من على الماء عند إحساسه بقدوم الحيوانات الخطرة، ويظل هكذا يضرب بجناحيه على سطح الماء مع احتفاظه بمسافة أمان بينه وبين الحيوان المتربص به، وعندما يطمئن بأن الحيوان المفترس قد ابتعد عن عش الفراخ يقطع مشهده التمثيلي ويعود إلى عشه وهذا السيناريو الذي يتم تمثيله من قبل بعض أنواع الطيور لم يجد التفسير الكافي والمقنع من قبل علماء الأحياء.
هل باستطاعة الطير أن يعد مثل هذا السيناريو؟ لاشك، يجب أن يكون على درجة عالية من الذكاء والنباهة فهذا السلوك يقتضي وجود صفات مثل الذكاء والتقليد والقابلية فضلاً عن الشجاعة المثيرة للإعجاب عندما يتصدى للحيوان المفترس دفاعاً عن الصغار، فهو يجعل من نفسه صيداً مطارداً بدون أي تردد أو خوف والغريب في الأمر أن هذه الطيور لا تتعلم هذا السلوك من غيرها من الحيوانات لأن هذا يتسم بكونه مكتسباً بالولادة.
والأمثلة التي أوردناها في هذا العرض السريع ما هي إلا غيض من فيض في عالم الإحياء لأن ملايين الأنواع من الكائنات الحية تختلف من حيث أساليب الدفاع عن النفس وطرق الحماية، ولكن النتيجة المتأتية من هذه الأساليب هي مبعث الغرابة في هذا المجال، لأنه يصعب أن نفترض أن الطير يضحي بنفسه من أجل صغيره من منطلق سلوك عاقل منطقي.
ويجب ألا ننسى أننا بصدد الحديث عن مخلوقات غير عاقلة ولا يمكن أن يتصف تفكيرها غير الموجود أصلاً بالرحمة والمودة والرأفة، والتعليق الوحيد الوارد في تفسير هذه الأنماط السلوكية يتلخص في كون الله سبحانه وتعالى هو الذي ألهم الكائنات الحية سلوكاً ملؤه الرحمة والتضحية ليضرب لنا الأمثال برحمته التي وسعت كل شيء.

يعتبر عالم الأحياء السويدي "أدولف مودر" أول من اكتشف رعاية الأبوين للصغار في عالم الحشرات وذلك سنة 1764 عندما كان يجري أبحاثه على حشرة "المدرع الأوروبي" فوجد أن الأنثى تجلس على بيضها دون أكل أو شرب وتصبح هذه الأنثى مقاتلة شرسة عندما يقترب الخطر من بيضها.
وكان العلماء والباحثون في تلك الفترة أو ما قبلها لا يقبلون فكرة رعاية الحشرات لصغارها، وسبب ذلك يورده لنا البروفسور دوغلاس.و.تللاني /من جامعة ديلاور والذي يعمل أستاذاً في علم الحشرات ويؤمن بنظرية التطور كالآتي:
- تجابه الحشرات مخاطر عديدة أثناء دفاعها عن صغارها ويتساءل العلماء في مجال الحشرات عن السر في عدم انقراض هذه الخصلة (خصلة الدفاع والحماية) أثناء عملية التطور، لأن وضع البيض بأعداد كبيرة أفضل استراتيجياً من اتباع وسيلة الدفاع المحفوفة بالمخاطر والمهالك .
ويعلق دوغلاس وتللاني أحد دعاة التطور على هذا التساؤل المحير ويرى أنه يجب أن تنقرض هذه الميزة حسب فرضيات نظرية التطور، ولكن الموجود والملاحظ في الطبيعة أنها لا تزال موجودة وبصور عديدة سواء في عالم الحشرات أو غيرها وليس دفاعاً عن الصغار فحسب بل عن الكبار أيضاً.
ونورد أيضاً المثال الآتي عن التضحية في سبيل الأحياء الصغيرة وهو متعلق بسلوك حشرة الدانتيلا التي تعيش في المناطق الجنوبية الغربية من أمريكا وتتخذ من بعض النباتات وخاصة atsrgan مسكناً لها، وأنثى هذه الحشرة تسهر على حماية بيضها واليرقات التي تخرج منها وتضحي بنفسها في سبيل ذلك. 
وألد أعداء هذه اليرقات هي حشرة =kz = التي تتميز بمقدمة فمها الشبيه بالمنقار ويكون صلباً وحاداً وتلتقم هذه الحشرة اليرقات في لقمة سائغة، ولا تملك حشرة "الدانتيلا" أي سلاح فعال تجاه أعدائها سوى الضرب بجناحيها وامتطاء ظهور خصومها لإزعاجهم وإبعادهم.
وفي تلك الأثناء تنتهز اليرقات فرصة انشغال الأعداء بالصراع مع الأم للهرب باقتفاء العرق الرئيسي للورقة النباتية التي يعيشون عليها ويتخذون هذا العِرق طريقاً رئيسياً للانتقال إلى ورقة أخرى طرية وملتوية للاختفاء داخلها.
وإذا استطاعت الأنثى أن تنجو بحياتها فإنها تتبع طريق صغارها إلى الورقة التي اختفوا داخلها وتتولى حراستهم ورعايتهم في غصن تلك الورقة قاطعة الطريق أمام الأعداء الذين قد يكونون اقتفوا أثرها.
وأحياناً تنجح هذه الحشرات في طرد حشرات "kiz " ثم تمنع يرقاتها من الذهاب إلى أية ورقة طرية أخرى ولا يتم ذلك اعتباطاً وإنما تختار هي بنفسها الورقة الأكثر أمناً لاتخاذها ملجأ لهم وغالباً ما تموت هذه الحشرات عند الدفاع عن يرقاتها ولكنها توفر لهذه اليرقات إمكانية الهرب والاختفاء عن نظر الأعداء .

إن الانسجام بين المظهر الخارجي والبيئة التي يعيش فيها الكائن الحي أمر مطرد في كل الأحياء ومثال آخر لهذا الانسجام هو الدجاج البري فهذا الطير لا يملك مكاناً معيناً يستقر فيه وعند اقتراب موسم التبييض يضع ثلاث بيضات في مكان منعزل وسط الرمال.
وعند خروج الفراخ من البيض يبدؤون على الفور في البحث عن الغذاء الذي يتألف من البذور النباتية، بيد أنه ليس لديهم القدرة للبحث عن الماء لعجزهم عن الطيران ومسؤولية جلب الماء تقع على الذكر وبعض أنواع الطيور يجلب الماء لصغاره في منقاره، إلا أن ذكر الدجاج البري يضطر إلى جلب الماء من مسافة بعيدة لذلك فهو يحتاج إلى شيء من هذا الماء لإرواء عطشه نتيجة هذه الرحلة الطويلة الشاقة.
ولهذا الطير طريقة خاصة وغريبة لحمل الماء تتمثل في أن الريش الذي يغطي صدر الطائر وبطنه متميز بطبقة ليفية من الداخل وعندما يصل الطير إلى مصدر الماء فإن أول ما يفعله هو التمسح بالرمل بأسفل جسمه للتخلص من الملمس الدهني للريش الذي يمنع التبلل، ثم يقترب من ضفة الماء ويبدأ بإرواء عطشه أولاً ثم يلج في الماء رافعاً جناحيه وذنبه ومحركاً جسمه للأمام والخلف لتبليل ريشه بأكبر كمية ممكنة من الماء، وتمثل الطبقة الليفية للريش إسفنجاً يعمل على امتصاص الماء.
ويكون الماء المحمول بواسطة الريش بعيداً عن تأثير التبخر ومع هذا يتبخر جزء منه في حالة القيام برحلة أطول من 25 ميلاً وفي النهاية يصل الطير إلى فراخه الذين ما زالوا يبحثون عن طعام لهم وعند رؤيتهم لأبيهم يسرعون نحوه، وعندئذٍ يرفع الذكر جسمه إلى الأعلى ويبدأ الفراخ بمص الماء الموجود في الريش في وضعية أشبه برضاعة اللبائن لصغارها وبعد انتهاء عملية سقي الصغار يمسح الذكر جسمه في الرمل لتجفيف الريش ويستمر على هذا الشكل لمدة شهرين حتى ينهي الصغار عملية إسقاط الزغب وتغييره مرتين وتصبح لهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم في إرواء عطشهم .
إن هذا السلوك الغريب للدجاج البري يثير في أذهاننا تساؤلات عديدة، فإن هذا الطير يعرف جيداً كيفية الاستفادة من خواص مظهره الخارجي وملاءمتها لظروف البيئة التي يعيش فيها، هو يفعل ذلك لأن مصدر سلوكه العجيب الإلهام الإلهي الذي منحه القدرة على التصرف وفق البيئة التي يعيش فيها.
إن هذا التوازن والنظام في الطبيعة دليل واضح على قدرة الله الخلاق العليم، وكل من شاهد هذه الأمثلة الحية في الطبيعة يقف حائراً ومندهشاً من هذا السلوك العاقل المستند على مشاعر حساسة التي يسلكها حيوان غير عاقل وعديم المشاعر أيضاً، ومن الذين شاهدوا وبحثوا هذه الأمثلة الحية عالم وباحث في الطب الفيزيولوجي "كينيث ووكر" حيث سجل مشاهداته في رحلة صيد في شرق إفريقيا كما يلي:
هناك أمثلة عديدة للتعاون المتبادل بين الحيوانات ما زالت حية في ذاكرتي عندما رأيتها في رحلة صيد قمت بها في شرق إفريقيا قبل سنوات، وشاهدت بأم عيني كيف أن قطعاناً من الغزلان والحمير الوحشية تتعاون فيما بينها في سهول "آهتي" حيث يضعون من يترصد العدو القادم لينبه القطيع حين قدومه، ولم أكن خارجاً لصيد الحمار الوحشي ولكني فشلت في اصطياد غزال واحد، لأنني كلما اقتربت من غزال لاصطياده ينبه الحمار الوحشي القطيع بقدومي وبذلك يفلت مني، ووجدت هناك تعاوناً بين الزرافة والفيل فالفيل لديه حاسة سمع قوية وآذانه الواسعة تعتبر راداراً لاقطاً لأي صوت مقابل حاسة بصر ضعيفة، أما الزرافة فلها حاسة بصر قوية وتعتبر كمراصد مرتفعة للمراقبة، وعندما تتحد جهود الفريقين لا يغلبان لا من نظر ولا من سمع ولا يمكن الاقتراب من قطعانهما، والمثال الأغرب هو التعاون بين وحيد القرن (الخرتيت) والطير الذي يحط على ظهره لالتقاط الطفيليات الموجودة على جلده، فكلما تحس الطيور باقترابي تبدأ بإخراج صوت معين تنبه به وحيد القرن وعندما يبدأ الحيوان بالهرب تبقى الطيور على ظهره كأنها راكبة عربة قطار تهتز باهتزازه .
ومشاهدات "كينيث ووكر" ما هي إلا جزء يسير من أمثلة عديدة يمكن لنا أن نشاهدها على التعاون المتبادل بين الأحياء، ويمكن للإنسان أن يجد أمثلة لهذا التعاون بين الحيوانات التي تعيش بالقرب منه، والمهم أن يتفكر الإنسان في ماهية هذه الأمثلة.
هل هناك معنى لسلوك كائن حي بهذا التفاني والإيثار خصوصاً أنه يفترض أنه جاء إلى هذه الحياة بالمصادفة؟ وبمعنى آخر هل يمكن لنا أن نتوقع مثل هذا السلوك المنطقي من مثل هذا الكائن الحي؟ بالطبع لا لأنه لا يمكن لمخلوق غير عاقل نشأ بالمصادفة أن يبدي سلوكاً عاقلاً، ولا يمكن له أن يفكر بحماية الآخرين، ولا يمكن تفسير الأنماط السلوكية لهذه الكائنات إلا بشيء واحد وهو الإلهام الإلهي. وفي الأمثلة القادمة سيتضح لنا بدليل ساطع أن هذه الكائنات الحية تخضع لمدبر ملهم..
إنَّ أهم فوائد العيش ضمن تجمعات هي التنبيه للخطر القادم وتوفير وسائل الدفاع بصورة أكثر فاعلية، لأن الحيوانات التي تعيش ضمن تجمعات تقوم عند إحساسها بالخطر القادم بتنبيه الباقين بدلاً من الهرب والنجاة، ولكل نوع من أنواع الأحياء طريقته الخاصة بالتنبيه، على سبيل المثال فالأرانب والأيايل تقوم برفع ذيولها بصورة قائمة عند قدوم العدو المفترس كوسيلة لتنبيه باقي أفراد القطيع، أما الغزلان فتقوم بأداء رقصة على شكل قفزات .
أما الطيور الصغيرة فتقوم بإصدار أصوات خاصة عند قدوم الخطر، فطيور sansama تقوم بإصدار أصوات ذات ترددات عالية مع فواصل متقطعة، وأذن الإنسان تتحسس هذا النوع من الصوت على شكل صفير وأهم ميزة لهذا الصوت هي عدم معرفة مصدره . 
هذا يكون لصالح الطير المنبه بالطبع، لأن الخطورة تكمن في معرفة مكان الطير الذي يقوم بوظيفة التنبيه بالخطر وتقل نسبة الخطورة لعدم معرفة هذا الصوت.
أما الحشرات التي تعيش ضمن مستعمرات فوظيفة التنبيه والإنذار تقع على عاتق أول فرد يرى ويحس وفي حال أحس العدو برائحة المادة المفرزة للإنذار، فإن المنذر يضحي بحياته من أجل سلامة المستعمرة.

أما الكلاب البرية فتعيش ضمن مجموعات يربو عدد كل منها على 30 فرداً وعلى شكل مساكن شبيهة بمدينة صغيرة، ويعرف الأفراد بعضهم بعضاً في هذه المستعمرة، وهناك دائماً حراس مناوبون في مداخل هذه المدينة الصغيرة، يقفون على أطرافهم الخلفية مراقبين البيئة من جميع الجهات وإذا حدث أن أحد المراقبين رأى عدواً يقترب يبدأ من فوره بنباح متصل شبيه بصوت الصفير، ويقوم باقي الحراس بتأكيد هذا الخبر بواسطة النباح أيضاً وعندئذٍ تكون المجموعة قد علمت بقدوم الخطر ودخلت مرحلة الاستعداد للمجابهة .
وهنا نقطة مهمة يجب التأكيد عليها، فتنبيه الكائنات الحية عند قدوم الخطر مسألة تثير الاهتمام والفضول، والأهم من ذلك أن هذه الكائنات تفهم بعضها ، والأمثلة التي أوردناها أعلاه مثل الأرنب الذي يرفع ذيله عند إحساسه بالخطر هي علامات يفهمها باقي الحيوانات ويدخلون مرحلة التيقظ على هذا الأساس، حيث يبتعدون إن أوجب الأمر الابتعاد أو يختفون إن كان هناك مجال للاختفاء، والأمر المثير للاهتمام هو: أن هذه الحيوانات متفقة فيما بينها مسبقاً على هذه الإشارات بحيث تكون بإشارة واحدة متنبهة، إلا أن هذا الافتراض لا يمكن أن يكون مقبولاً من أي إنسان ذي تفكير ومنطق، إذن فالأمر المحتم قبوله هو أن هذه الكائنات الحية مخلوقة من قبل خالق واحد وتتحرك وفق إلهامه وتوجيهه.

أما المثال المتعلق بالصفير الذي يطلقه الطير عند إحساسه بالخطر ويفهم من قبل وحيد القرن، يظهر أمامنا سلوك عاقل ومنطقي يثير الحيرة فينا، فمن غير الممكن أن تفكر حيوانات غير عاقلة بتنبيه باقي الحيوانات بقدوم الخطر وتكون تلك الحيوانات قد فهمت الإشارة واستوعبتها، وهنا يبرز أمامنا تفسير واحد لسلوك حيوان غير عاقل بهذه الصورة المنطقية وهو: كون هذه الحيوانات قد اكتسبت هذه القابليات والأنماط السلوكية، من طرف خالق سواها وهو الله الخلاق العليم الذي يتغمدها برحمته الواسعة.
لا تكتفي الحيوانات التي تعيش على شكل مجموعات بإنذار بعضها بقدوم الخطر بل تشارك أيضاً بمجابهته، فالطيور الصغيرة مثلاً، تقوم بمحاصرة الصقر أو البوم الذي يتجرأ ويدخل مساكنها، وفي تلك الأثناء تقوم بطلب المساعدة من الطيور الموجودة في تلك المنطقة، وهذا الهجوم الجماعي الذي تقوم به يكفي لطرد الطيور المفترسة .
ويشكل السرب الذي تطير ضمنه الطيور خير وسيلة للدفاع، فطيور الزرزور مثلاً تترك فيما بينها مسافات طويلة أثناء الطيران وإذا رأت طائراً مفترساً يقترب كالصقر سرعان ما تقلل ما بينها من مسافات مقتربة من بعضها مقللة بذلك من إمكانية اقتحام الصقر للسرب وإذا أمكن له ذلك فسيجد مقاومة شديدة وربما يصاب بجروح في جناحيه ويعجز عن الصيد .
أما اللبائن فإنها تتصرف على هذه الشاكلة أيضاً خصوصاً إذا كانت تعيش ضمن قطعان، ومثال على ذلك الحمار الوحشي، يدفع بصغاره نحو أواسط القطيع أثناء هربه من العدو المفترس، وهذه الحالة درسها جيداً العالم البريطاني "جون كودول" في شرق إفريقيا فقد سجل في مشاهداته كيف أن ثلاثة من الحمر الوحشية تخلفت عن القطيع وحوصرت من قبل الحيوانات المفترسة وعندما أحس القطيع بذلك سرعان ما قفل راجعاً مهاجماً الحيوانات المفترسة بحوافره وأسنانه ونجح القطيع مجتمعاً في إخافة هؤلاء الأعداء وطردهم من المكان .
وعموماً فإن قطيع الحمر الوحشية عندما يتعرض للخطر يظل زعيم القطيع متخلفاً عن باقي الإناث والصغار الهاربين، ويبدأ الذكر يجري بصورة ملتوية موجهاً ركلات قوية إلى عدوه وفي بعض الأحيان يرجع لمقاتلته .

ويعيش "الدلفين" ضمن جماعات تسبح سوياً وتقوم بمهاجمة عدوها اللدود {الكواسج} بصورة جماعية أيضاً، وعندما يقترب الكوسج من هذه الجماعة يشكل خطراً جسيماً على صغار الدلفين فيبتعد اثنان من الدلافين عن الجماعة ليلفتا انتباه الكوسج إليهما ويبعدانه عن الجماعة، وعندئذٍ تنتهز الجماعة تلك الفرصة في الهجوم فجأة وتوجيه الضربات تلو الضربات لهذا العدو المفترس .
وتسلك سلوكاً غريباً آخر حيث إنها تسبح بموازاة جماعات سمك "التونة" التي تشكل مصدراً غذائياً مهماً لها، لهذا السبب فإن صيادي سمك "التونة" يتخذون الدلفين دليلاً لهم في اصطياد هذا النوع من السمك ولسوء الحظ هناك حالات كثيرة يقع فيها في شباك الصيادين ولكون هذا الحيوان ليناً غير قادر على السفر تحت الماء فسرعان ما يصاب بالهلع ويبدأ بالوقوع نحو قاع الماء، وفي تلك الأثناء يبدأ باقي الدلافين بنجدته مما يدل على الترابط العائلي الموجود في الجماعة، ويبدأ كافة أفراد الجماعة بالنزول إلى الأسفل ومحاولة دفع الشباك إلى الأعلى لإنقاذ حياة زميلهم، ولكن هذه المحاولات كثيراً ما تبوء بالفشل وتنتهي بالموت للكثير منهم لعدم قدرتهم على التنفس تحت الماء، وهذا السلوك عام لكافة أنواع الدلفين.

أما الحيتان الرمادية فيتسابق ذكر أو اثنان منها لنجدة أنثى مصابة بجروح عن طريق دفعها نحو سطح الماء لتسهيل تنفسها وكذلك حمايتها من هجمات الحوت القاتل .
وتقوم ثيران المسك بتشكيل دائرة فيما بينها تجاه العدو، حيث تخطو خطوات للوراء دون أن تجعل ظهرها نحو العدو، والهدف هو حماية الصغار الذين يبقون داخل هذه الدائرة متمسكين بشعر أمّاتهم المتدلي الطويل، وبهذا الشكل الدائري تنجح الثيران البالغة في المحافظة على حياة الصغيرة، وعندما يهجم أحد أفراد هذه الدائرة على هذا العدو سرعان ما يرجع إلى نفس موقعه في الدائرة كي لا يختل النظام الأمني .

وهناك أمثلة أخرى تتبعها الحيوانات أثناء الصيد شبيهة بسلوكها أثناء الحماية والدفاع عن النفس فالبجع يقوم بصيد السمك بصورة جماعية، حيث تشكل نصف دائرة قريبة من الضفة وتضيق من هذه الدائرة شيئاً فشيئاً ومن ثم تبدأ بصيد الأسماك المحاصرة في هذه الدائرة، وينقسم البجع في الأنهار الضيقة والقنوات إلى مجموعتين، وعندما يحل المساء تنسحب هذه الطيور إلى مكان تستريح فيه ولا يمكن أن ترى متشاحنة أو متعاركة فيما بينها سواء في الخلجان أو في أماكن استراحتها.
تثير هذه الأنماط السلوكية التي تبديها الحيوانات من تعاون وتكاتف وتكافل وتضحية أسئلة عديدة في مخيلة الإنسان، فهذه النماذج التي يدور الكلام حولها غير عاقلة أي أنه يدور حول حمر وحشية أو طيور أو حشرات أو دلافين وغيرها.
ولا يمكن للإنسان العاقل أن يفترض أرضية منطقية وعاقلة كتفسير لسلوك هذه الحيوانات، والتفسير الوحيد الذي يمكن للإنسان العاقل أن يتوصل إليه أمام هذه الأمثلة هو: أن الطبيعة ومحتوياتها ما هي إلا مخلوقات خلقها خالق واحد قدير لا حد لقدرته، وهذا الخالق هو الذي خلق كافة الأحياء من إنسان أو حيوان أو حشرة أو نبات وخلق كل شيء وهو الله البارئ المصور ذو القدرة والرحمة والرأفة والحكمة، وكما ورد في القرآن الكريم:
قوله تعالى : [فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ * وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [ [الجاثية: 36 ـ 37] ، ويقول تعالى : [رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ [ [ص: 66] .
تكون الحيوانات وخصوصاً اللبائن أكثر تعرضاً للخطر أثناء الولادة، لأن الأم ووليدها يكونان لقمة سائغة للحيوانات المفترسة، ولكن الملاحظ أن هذه الحيوانات تكون بحماية أحد أفراد القطيع عندما تضع وليدها، على سبيل المثال تختار أنثى الانتيلوب مكاناً أميناً بين الأعشاب الطويلة لتضع وليدها ولا تكون وحدها أثناء الولادة بل تكون بجانبها أنثى أخرى من القطيع نفسه كي تساعدها وقت الحاجة.
وهناك مثال آخر للتعاون بين الحيوانات أثناء الولادة وهو "الدلفين" فالوليد الصغير عندما يخرج تواً من رحم أمه عليه أن يخرج إلى سطح الماء للتنفس، لذلك تدفعه أمه بأنفها إلى أعلى كي يستطيع التنفس، وتكون الأم ثقيلة الحركة قبل الولادة، وتقترب منها أنثيان من الجماعة نفسها لمساعدتها لحظة الولادة، وتكون هاتان المساعدتان تسبحان إلى جانبي الأم لحظة الولادة لمنع أي ضرر يلحق بها في تلك اللحظة الحرجة، خصوصاً أن الأم تكون ثقيلة الحركة ومعرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى.
ويكون الوليد الجديد لصيقاً بأمه طيلة الأسبوعين الأولين، ثم يبدأ السباحة شيئاً فشيئاً بعد ولادته بفترة قصيرة وتدريجياً يبدأ بالاستقلال عن أمه، وفي هذه الحالة تكون الأم ضعيفة بعض الشيء ولا تستطيع أن تتأقلم مع حركات الوليد الجديد لذا تتدخل أنثى أخرى لحماية الصغير وتوفير العون الكامل للأم حتى تلتقط أنفاسها .
وعلى الأسلوب نفسه تلد الفيلة أولادها، حيث تكون هناك أنثى دوماً لمساعدة الأم أثناء الولادة، تختفي الأم ووصيفتها داخل الأعشاب الطويلة بكل مهارة حتى تنتهي عملية الولادة وتستمران في رعاية الفيل الجديد طيلة حياتهما، وتتميز الأم بحساسية مفرطة خصوصاً عندما تكون بجانب وليدها .
وهناك أسئلة عديدة تطرح نفسها في هذا المجال مثلاً: كيف تتفاهم الفيلة أو غيرها من الحيوانات مع بعضها، أو الأنثى التي تصبح مساعدة كيف تفهم أو تشعر باقتراب موعد الولادة لقريبتها؟
لا تملك هذه الحيوانات عقلاً مفكراً أو إرادة فاعلة لتحديد هذه الأمور الحياتية، إضافة إلى أن هذه الفيلة السالفة الذكر تسلك السلوك نفسه في أية بقعة أخرى من العالم، الشيء نفسه يقال للدلفين أو غيره من الحيوانات، وهذا دليل على كونها مخلوقة من قبل خالق واحد وتتحرك في إطار ناموس واحد كذلك.
تمتاز اللبائن بأنها تنشئ علاقات قرابة وطيدة فيما بينها، على سبيل المثال تعيش الذئاب ضمن عائلة واحدة تتألف من ذكر وأنثى وصغيرهما وربما واحد أو اثنين من ولادات سابقة، وكل الحيوانات البالغة تقوم بمهمة حماية الصغار، وأحياناً تبقى إحدى الإناث في الوكر لتقوم بمهمة الحاضنة لأحد الصغار طول الليل بينما تقوم الأم بالخروج إلى الصيد مع باقي أفراد الجماعة.
تعيش كلاب الصيد الإفريقية ضمن جماعات تتألف الواحدة منها من عشرة أفراد، وتبدأ بتوزيع الواجبات بين الذكور والإناث التي تتلخص بحماية الصغار وتغذيتهم، وتتسابق فيما بينها على رعايتهم، وعند اصطيادها فريسة تقوم بتشكيل حلقة حولها حماية لها من هجوم الضباع ولإفساح المجال للصغار بالتغذي عليها .

يعيش "البابون" أيضاً ضمن جماعة يقوم زعيمها برعاية المرضى والجرحى من أفرادها، حتى أن البالغين يتبنون "بابوناً" صغيراً في حالة فقدانه لأبويه، فيأذنون له بالسير معهم نهاراً والمبيت عندهم ليلاً، وقد تغير الجماعة مكانها عندئذٍ تقوم بمسك صغيرها ليمشي الهوينى في حالة كونه صغيراً جداً لا تستطيع ضبط توازنه أثناء حملها له، والصغير قد يتعب أثناء سيره ويتسلق ظهر أمه غالباً، وهذا يؤدي إلى تقهقرهما عن الجماعة، ولو فطن زعيم الجماعة لهذا الأمر لقفل راجعاً إلى حيث تقف الأم ويبدأ بمرافقتهما أثناء المسير .
أما بنات آوى فتعيش مع أمّهاتها حتى بعد انقطاعها عن الرضاعة وتصبح يافعة تساعد أمها عند ولادتها لرضيع جديد، فتجلب الغذاء للصغار أو تذهب بهم إلى مكان بعيد إلى حين ابتعاد الخطر الداهم وليس بنات آوى وحدهم الذين يهتمون برعاية أشقائهم بل تقوم بالمهمة نفسها طيور مثل دجاج الماء والسنونو.
كما يتخذ التعاون في عالم الطيور شكلاً آخر لأنه يكون بين أزواج الطيور مثل طير النحل، يتعاون الزوجان في تنشئة أطفالهما وهذا التعاون من الممكن مشاهدته لدى الطيور بكثرة .
إن الرعاية التي تبديها الحيوانات تجاه صغار لا تعود إليهم تعتبر من الأدلة القوية لنسف مزاعم دعاة "التطور"، وكما أسلفنا القول فإن المؤمنين بهذه النظرية يفسرون سلوك الحيوانات المتسم بالتضحية على كونها ليست تضحية بل أنانية لأنها تهدف إلى الحفاظ على الجينات الوراثية ونقلها إلى أجيال لاحقة فقط.
ولكن اتضح من الأمثلة السالفة أن هذه الحيوانات لا تبدي اهتماماً ورعاية لأبنائها من حملة جيناتها فقط وإنما تجاه حيوانات لا تحمل أية جينات منها أصلاً أي أن هذه الفرضية فرضية "الجين الأناني" التي ساقها المؤمنون بنظرية "التطور" قد أفلست تماماً وثبت عدم صحتها بالمرة.
 ومن المستحيل أن يفكر حيوان غير عاقل بنقل جيناته إلى جيل لاحق ولو قبلنا أن تكون هذه الحيوانات مبرمجة على عملية نقل الجينات فيجب علينا أن نقبل وجود مبرمج لهذا البرنامج وكل حيوان نصادفه في الطبيعة وندرس طبائعه وخصائصه يقودنا إلى خالق واحد لهذا الوجود وهذا الخالق بلا شك هو الله الرحمن الرحيم.

1- من أهم معالم الميزة لمستعمرة النمل المشاركة في الغذاء فإذا تقابلت نملتان وكانت إحداهما جائعة أو عطشى والأخرى تملك شيئاً في بلعومها لم يمضغ بعد فإن الجائعة تطلب شيئاً من الأخرى التي لا ترد الطلب أبداً وتشاركها في الأكل والشرب وتقوم النملات العاملات بتغذية اليرقات بالغذاء الموجود في بلعومها وفي أغلب الأحيان تكون كريمة مع غيرها وبخيلة على نفسها بشأن الغذاء .
2- هناك توزيع في أداء الواجبات ضمن المستعمرة الواحدة وكل نملة تؤدي ما عليها من واجب بكل تفان وإخلاص وإحدى هذه النملات هي البوابة أو حارسة الباب وهي المسؤولة عن السماح بدخول النمل من أبناء المستعمرة فقط ولا يسمح للغرباء بالدخول أبداً وتكون رؤوس هذه الحارسات بحجم بوابة المستعمرة بحيث تستطيع أن تسد هذه البوابة برأسها. وتظل الحارسات طيلة اليوم يقمن بواجبهن في حراسة مدخل المستعمرة لذلك فإن أول من يجابه الخطر هؤلاء الحارسات.
3- لا تكتفي النملات بمشاركة أخواتها بالطعام الذي تحمله في معدتها بل تقوم بتنبيه الباقيات إلى وجود طعام أو كلأ في مكان ما صادفته وهذا السلوك لا يحمل في طياته أي معنى للأنانية وأول نملة تكشف الغذاء تقوم بملء بلعومها منه ثم تعود إلى المستعمرة وفي طريق العودة تقوم بلمس الأرض بطرف بطنها تاركة مادة كيماوية معينة ولا تكتفي بذلك بل تتجول في أنحاء المستعمرة بسرعة ملحوظة ثلاث أو ست مرات وهذه الجولة تكفي لإخبار باقي أفراد المستعمرة بالكنز الذي وجدته وعند عودة النملة المكتشفة إلى مصدر الغذاء يتبعها طابور طويل من أفراد المستعمرة.
4- هناك نمل يدعى قطاع الورق تكون عاملاته متوسطة الطول مشغولات طيلة اليوم بحمل أجزاء الورقة النباتية إلى المستعمرة ولكنها تكون في غاية الضعف عند حملها لها خصوصاً تجاه الذباب أو أبناء جنسه ويترك الذباب بيضه على رأس هذا النمل وتنمو يرقة هذا الذباب متغذية من مخ هذه النملة وهو ما يؤدي إلى موتها وتكون عائلات هذا النوع من النمل في غاية الضعف أمام سلوك هذا الذباب خصوصاً عند حملهن للورقة النباتية ولكن هناك من يحميهن من هجوم هذا الذباب وهو النمل الذي من المستعمرة نفسها، وقصيرو القامة يقومون بوظيفة حراسة العاملات بواسطة جلوسهم فوق الورقة النباتية وعلى أهبة الاستعداد لرد أي هجوم من الذباب على أعقابه .

5- هناك نوع من النمل يدعى نمل العسل وسبب هذه التسمية أنه يتغذى على فضلات بعض الحشرات المتطفلة على الأوراق النباتية وتكون فضلات هذه الحشرات غنية بالمواد السكرية وتحمل هذه النملات ما مصته من فضلات سكرية إلى مستعمراتها وتخزنها في أسلوب عجيب وغريب لأن بعضاً من هذه النملات العاملات يستخدم جسمه كمخزن للمواد السكرية.
وتقوم العاملات اللاتي حملن المواد السكرية بتفريغ حمولتهن داخل أفواه العاملات أو – المخازن الحية – والتي بدورها تملأ الأجزاء السفلية من بطونها بهذا السكر حتى تنتفخ بطونها ويصبح حجمها في بعض الأحيان بحجم حبة العنب.
ويوجد من هذه العاملات في كل غرفة من غرف الخلية عدد يتراوح بين 25 و 30 نملة ملتصقات بواسطة سيقانهن بسقف الغرفة في وضع مقلوب. ولو تعرضت إحداهن للسقوط تسارع العاملات الأخريات إلى إلصاقها من جديد. والمحلول السكري الذي تحمله كل نملة يكون أثقل بثماني مرات من وزن النملة نفسها وفي موسم الجفاف أو الشتاء تقوم باقي النملات بزيادة هذه المخازن الحية لأخذ احتياجاتها من الغذاء – السكر – اليومي.
حيث تلصق النملة الجائعة فمها بفم النملة المنتفخة وعندئذٍ تقوم الأخيرة بتقليص بطنها لإخراج قطرة واحدة إلى فم أختها ومن المستحيل أن يقوم النمل بتطوير هذه المخازن وابتكارها بهذه الطريقة العجيبة ومن تلقاء نفسها وإضافة إلى ذلك التفاني والتضحية اللذان تتسم بهما النملة المنتفخة حيث تحمل ما هو أكثر من وزنها ثماني مرات فضلاً عن بقائها ملتصقة بالمقلوب مدة طويلة جداً ودون مقابل وإن هذا الأسلوب المبتكر وفقاً لبنية تلك النملة ليس من المصادفة وحدها لأن هناك نملاً متطوعاً لأن يصبح مخزناً حياً في كل جيل جديد وطيلة أجيال سابقة ولاحقة، لاشك في أن سلوكها هذا من تأثير الإلهام الإلهي الذي خلقهن وسواهن U.
6- هناك أسلوب للدفاع عن المستعمرة يتبعه النمل أحياناً وهو الهجوم على العدو والتضحية حتى الموت وتوجد أشكال عديدة لهذا الهجوم الانتحاري منها الأسلوب الذي يتبعه النمل الذي يعيش في الغابات المطرية في ماليزيا فجسم هذا النوع يتميز بوجود غدة سمية تمتد من رأس النمل حتى مؤخرة جسمه وإن حدث أن حوصرت النملة من كل جهة تقوم بتقليص عضلات بطنها بشدة تكفي لتفجير هذه الغدة بما فيها من السم بوجه أعدائها ولكن النتيجة موتها بالطبع .
7- يقدم ذكر النمل ومثله الأنثى تضحية كبيرة في سبيل التكاثر فالذكر المجنح يموت بعد فترة قصيرة من التزاوج أما الأنثى فتبحث عن مكان مناسب لإنشاء المستعمرة وعندما تجد هذا المكان فإن أول عمل تقوم به هو التخلي عن أجنحتها وبعد ذلك تسد مدخل المكان وتظل كامنة داخله لأسابيع وحتى لشهور دون أكل أو شرب وتبدأ بوضع البيض باعتبارها ملكة المستعمرة وتتغذى في هذه الفترة على جناحيها اللذين تخلت عنهما وتغذي أول اليرقات بإفرازاتها هي وهذه الفترة تعتبر الوحيدة بالنسبة للملكة التي تعمل فيها منفردة بهذا الجهد والتفاني وهكذا تبدأ الحياة بالمستعمرة.
8- إذا حدث هجوم مفاجئ من قبل الأعداء على المستعمرة تقوم العاملات ببذل ما بوسعهن للحفاظ على حياة الصغار. ويبدأ النمل المقاتل بالتحرك صوب الجهة التي هجم منها العدو ومجابهته فوراً.
أما العاملات فيسرعن نحو الغرف التي توجد فيها اليرقات لتحملها بواسطة فكوكها إلى مكان معين خارج المستعمرة لحين انتهاء المعركة والمتوقع من حيوان كالنمل في مثل هذا الموقف العصيب أن يفر هارباً ويختفي فيه عن أنظار الأعداء، ولكن الذي يجري في المستعمرة غاية في التضحية والتفاني من أجل سلامة المستعمرة، فلا النمل المقاتل ولا حراس البوابة ولا العاملات يفكرون في أنفسهم فقط، فالكل يفكر في المستعمرة بأكملها، وهذا ديدن النمل منذ ملايين السنين.
بلا شك فإن الأمثلة سالفة الذكر تعتبر أمثلة محيرة من عالم الأحياء، والمحير فيها أن هذه الأنماط السلوكية صادرة عن كائنات حية صغيرة كالنمل وهو ما يصادفه الإنسان في حياته اليومية دون أن يشعر بتفاصيل حياة هذا المخلوق. ولو دققنا في هذه التفاصيل لوجدنا أموراً عجيبة وغريبة تجبرنا على التفكير بروية في ماهيتها لأن هذه الحيوانات تمتاز بوجود جهاز عصبي دقيق للغاية ومخ محدود الحجم والارتباطات العصبية، مع هذا تقوم بسلوكيات لا يمكن القول عنها إلا إنها محض واعية، والسبب كونها منفذة مطيعة لما أمرت به منذ ملايين السنين دون فوضى أو إهمال أو تقصير، وما هذا الأمر إلا إلهام إلهي من الخلاّق العليم جل جلاله وهذا الانقياد التام من الكائنات الحية للخالق عزَّ وجلَّ يصور من قبل القرآن كما يلي : [أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ[ [آل عمران : 83].
هناك تشابه شبه كلي بين حياة كل من النمل والنحل ، في كلا العالمين تتفانى في سبيل الحفاظ على حياة وسلامة الملكة واليرقات علماً أن هذه العاملات عقيمة وهذه اليرقات ليست من صغارها.
تتألف خلية النحل من الملكة والذكور المسؤولة عن تلقيح الملكة والعاملات، التي تعتبر المسؤولة الأولى والأخيرة عن إدارة الخلية بمختلف نشاطاتها الحيوية اليومية مثل إنشاء الغرف الشمعية، ونظافة الخلية، وأمن الخلية، وتغذية الملكة والذكور، والاعتناء باليرقات وإنشاء الغرف حسب نوع النمل الذي يخرج من البيض من ملكة أو ذكر أو عاملة، وتهيئة هذه الغرف بصورة مناسبة، وتنظيفها، إضافة إلى توفير الدفء والرطوبة اللازمين للبيض، وتوفير الغذاء لليرقات حسب الحاجة (الغذاء الملكي، العسل الممزوج برحيق الأزهار) وجمع المواد اللازمة لصنع الغذاء مثل خلاصة الفواكه، رحيق الأزهار، الماء ونسغ الأشجار
ويمكننا أن نرتب المراحل أو الأطوار الحياتية التي تمر بها النحلة العاملة وفق التسلسل الزمني كما يلي:
1- تعيش النحلة العاملة من 4 – 6 أسابيع وعندما تخرج العاملة من الشرنقة كاملة النمو تظل تعمل داخل الخلية فترة ثلاثة أسابيع تقريباً أو أقل قليلاً، وأول عمل تقوم به الاهتمام بتنشئة اليرقات ورعايتها وتتغذى النحلة العاملة على ما تأخذه من العسل ورحيق الأزهار المتوفرين في مخازن خاصة داخل الخلية إلا أنها تقدم جزءاً كبيراً مما تحصل عليه لليرقات كي تتغذى عليها، وتتم عملية تغذية اليرقات عن طريق إخراج جزء مما تغذت عليه سابقاً من معدتها والجزء الآخر يتم إفرازه من غدد خاصة موجودة في منطقة الرأس وهذه الغدد تفرز مادة جيلاتينية تعتبر غذاء اليرقات.
وهناك سؤال يطرح نفسه:
كيف يمكن لكائن حي خرج تواً من الشرنقة أن يعرف ما عليه أن يفعله دون اعتراض وهذا يشمل كل النحل؟ 
والمفروض على هذه العاملات أن تفكر في إدامة حياتها وكيفية الحفاظ عليها لحظة خروجها من الشرنقة دون تفكير في التضحية من أجل غيرها أو دون الإقدام على أي سلوك شعوري، ولكن الحاصل غير ذلك تماماً، فهي تتصرف انطلاقاً من مسؤولية كبيرة تشعر بها تجاه اليرقات وتقوم بحضنهن والاهتمام بهن.
2- عندما تدخل النحلة العاملة يومها الثاني عشر في الحياة تنضج غددها التي تفرز شمع العسل عندئذٍ تبدأ العاملات ببناء الغرف الدراسية وترميم الموجود منها المخصصة لكل من اليرقات وتخزين الغذاء.
3- في الفترة المحصورة بين اليوم الثاني عشر ونهاية الأسبوع الثالث تقوم العاملات بجمع رحيق لأزهار وخلاصة العسل اللذين جلبا من قبل الذاهبين خارج الخلية. وتقوم بتحويل خلاصة العسل إلى عسل وتخزنه فيما بعد، وفي تلك الأثناء تقوم بتنظيف الخلية من الفضلات والأوساخ وأجساد النحل الميت رامية إياها خارج الخلية.
4- تصبح الخلية العاملة في نهاية الأسبوع الثالث جاهزة لأن تخرج لجمع خلاصة العسل ورحيق الأزهار والماء ونسغ النباتات.
تبدأ النحلات العاملات بالخروج للبحث عن الأزهار التي تحتوي على خلاصة العسل.
وهذه العملية (عملية جمع الغذاء) مرهقة للغاية، فتصبح النحلة العاملة مرهقة ومتعبة حتى الموت في نهاية أسبوعين أو ثلاثة من العمل المرهق . والملاحظ هنا أن هذه النحلة العاملة تفرز عسلاً بمقدار يفوق حاجتها بكثير. وهذه الملاحظة تحتاج إلى تفسير طبعاً، إن السفسطة التي يقول بها دعاة التطور لا يمكن لها أن تفسر هذا السلوك المتفاني من كائن حي يفترض فيه أن يهتم بسلامة وإدامة حياته فقط.
وهنا تتجلى لنا آية من آيات اللهI كما أوضحنا في صفحات سابقة بأن الله هو الذي ألهم النحل هذا السلوك العجيب استناداً لما ورد في سورة النحل، وهذا هو التفسير الوحيد لما يقع في عالم النحل الذي يلبي دعوة الرحمن وإلهامه إياه دون تقصير أو كلل، وما على الإنسان إلا أن يتفكر أمام هذه الحقيقة الساطعة استجابة للآية القرآنية الآتية:
قوله تعالى : [ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون [ [النحل: 69].
5- تنتظر العاملات مهمة أخرى محتاجة للتنفيذ قبل خروجهن لجلب الغذاء وهي مهمة الحراسة.
هناك عدد من النحل في باب كل خلية مهمتهم حراستها من دخول الغرباء، فكل من لا يحمل رائحة التبعية إلى الخلية يعتبر مصدر خطر على حياة الخلية.
وإذا حدث أن شوهد غريب في مدخل الخلية تبدأ الحارسات بالهجوم عليه بشدة، ويعتبر رنين أجنحة الحارسات الشديد كصفارة إنذار بقدوم الخطر لباقي سكان الخلية، وتستخدم الحارسات إبرهن اللاسعة كسلاح فعال ضد العدو الغريب، تفرز الحارسات سماً له رائحة مميزة تنتشر في كافة أنحاء الخلية كعلامة للخطر الداهم.
عندئذٍ يتجمع سكان الخلية في المدخل للمساهمة في القتال ضد العدو الغريب وعند لدغ الحارسة عدوها بإبرتها تبدأ بإفراز السم مما يؤدي إلى انتشار الرائحة أكثر فأكثر، وكلما ازدادت رائحة السم داخل الخلية ازداد النحل هيجاناً وشراسة ضد العدو الغاصب 
إن مهمة الدفاع عن الخلية تعتبر بمثابة انتحار، لأن إبرة النحل اللاسعة تحتوي على رؤوس مدببة مثل أشواك القنفذ، ولا يمكن للنحلة أن تسحب إبرتها بعد غرزها في جسم غريب بسهولة وعند محاولتها الطيران تبقى الإبرة مغروزة في جسم الحيوان (العدو) وتتعرض النحلة بذلك إلى جرح مميت نتيجة تعرض بطنها إلى شق عميق من ناحية الخلف، حيث توجد الغدد التي تفرز السم والعقد العصبية التي تتحكم بها وعندما تلفظ النحلة أنفاسها الأخيرة يقوم باقي النحل بالاستفادة من موتها عن طريق أخذ السم الموجود في غدد القتيلة والاستمرار بنضحه في جرح العدو الغريب .
بعد هذا الاستعراض، كيف لنا أن نفسر سلوك كائن حي يبدأ منذ أول مرة خطوة له في الحياة بالعمل الدؤوب والمثابرة وحتى تضحيته بحياته دون كلل أو ملل من أجل راحة غيره وسلامته؟ إضافة إلى أن هذه الأنماط السلوكية هي نفسها في كل أنواع النحل والنمل أينما وجدت على الكرة الأرضية ومنذ ملايين السنين، والحقيقة تبرز أمامنا بوضوح، حقيقة سلوك هذه الكائنات الصغيرة بحجمها والكبيرة بتضحياتها من تأثير إلهام الله عزَّ وجلَّ لها.
قال تعالى : [إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ [هود: 56].
بعد هذا العرض الموجز لأمثلة الكائنات الحية المختلفة يتضح لنا أن هنالك قاسماً مشتركاً بين الأنماط السلوكية التي تبديها وهو التضحية والرحمة والشفقة، وكل منها يراعي صغيره ويدافع عنه ويحمي عائلته أو أي حيوان آخر بأروع صورة، وكل منها يضرب لنا مثلاً بالرحمة والمودة وفي الوقت نفسه يتكاتف عند الخطر وفق سلوك عقلاني مدهش، كما يقوم بتغذية بعضه بأساليب ذكية، وتبني هذه الحيوانات بيوتها ببراعة مهندس معماري حاذق ومهارة بناء خبير.
ومن النقاط التي يجب التأكيد عليها طيلة هذا الكتاب: أن الحديث يدور عن كائنات حية منها الصغير مثل الحشرات ومنها الكبير كالفيل والزرافة والطيور والضفادع، وهل لنا أن ندعي أن هذه الكائنات التي لا تملك إلا ما يشبه المخ أو ما يقوم مقامه تخترع شيئاً جديداً أو تبتكر وسيلة ما ناجعة في الحياة؟
وهل تعي الطيور أو الحشرات عملية إبداء سلوك يتم بالرحمة والشفقة؟
كيف لنا أن نفسر سلوك ذكر البطريق المليء بالتضحية والفداء من أجل سلامة أنثاه وأولاده؟
لماذا ترمي الغزلان أو الحمير الوحشية نفسها أمام خطر المفترس كحاجز بينه وبين صغارها؟
والحقيقة أمامنا ساطعة كالشمس وهي أن سلوك هذه الأحياء المتصف بالرحمة والشفقة والتفاني والتضحية بتأثير الإلهام من الله الرحمن الرحيم الذي وسع كرسيه كل شيء رحمة وعلماً.
وإن الأمثلة التي أوردناها في هذا الكتاب دليل على قوة ورحمة وقدرة الله تعالى على جعل هذه الكائنات تتبع هذا السلوك المتميز، فالطير أو الغزال الذي يدافع عن صغيره ويذود عنه ويعمل جاهداً لتنشئته سليماً آمناً لا يفعل كل ذلك إلا بإلهام إلهي.
ورحمة الله التي وسعت كل شيء لا ترى أمثلتها في الحيوانات فقط بل يمكن رؤيتها في الإنسان أيضاً، فالذين يتفكرون ويتمتعون في أصل ومصدر الأشياء لا شك سيصلون إلى النتيجة البديهية : [فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ [هود: 57] .

About sayed kamal

This is a short description in the author block about the author. You edit it by entering text in the "Biographical Info" field in the user admin panel.
«
Next
رسالة أحدث
»
Previous
رسالة أقدم

عالم المجرات والكواكب

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

Twitter Feed Facebook Google Plus Youtube

ثقافة ومعلومات