انظر إلى السماء في أي ليلة صافية، سوف ترى رقعات داكنة في
درب التبانة (درب اللبانة)، ذلك الحزام الزغبي من الضوء الذي تولده بلايين النجوم
في مجرتنا. لقد ظن الفلكي الإنكليزي (هرشل) في القرن الثامن عشر أن الرقعات الداكنة هي حقا سحب هائلة من
الغبار الذي يحجب ضوء النجوم الواقعة خلفها. إن جسيمات الغبار الكوني صغيرة
للغاية، فحجم الحبيبة الواحدة منها يقل عن واحد من مئة من حجم جسيمات الغبار التي
تكنسها بوساطة الممسحة. ومع ذلك، فلقد أثرت حبيبات الغبار الدقيقة هذه في تطور
مجرتنا وفي تشكل النجوم في الكون تأثيرا كبيرا.
لقد اعتبر كثير من الفلكيين حتى خمسينات القرن العشرين هذا
الغبار شيئا مزعجا لأنه منعهم من رؤية النجوم. إلا أن الباحثين في السنوات الأخيرة
سلطوا الضوء على حبيبات الغبار الكوني، وقاسوا توزيعها وتركيبها الكيميائي
باستخدام المقاريب الأرضية والفضائية. ولقد مكَّنت المعلومات الجديدة الغزيرة من
تطوير فرضيات مقبولة عن الكيفية التي نشأ بها الغبار النجمي ذلك. وقد اقترحتُ مع
تلميذي لي [وهو الآن طالب في
مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة پرينستون] نظرية أسميناها نموذج الغبار الموحد
unified dust model. وعلى الرغم من أن الباحثين الآخرين ناصروا نظريات
بديلة فإننا نعتقد أن نموذجنا يوفر أفضل تفسير للأرصاد الجديدة.تتركز سحب الغبار في مجرة درب التبانة في المستوى المجري، وعلى وجه الخصوص على امتداد الحافات الداخلية لأذرع المجرة الحلزونية. إن هذه المناطق تبدو شديدة التلطخ، حيث تنتشر حشود كثيفة من النجوم ضمن سحب الغبار. إن السحب تخفِّض شدة ضوء النجوم في أجزاء الطيف الزرقاء وفوق البنفسجية على نحو أشد مما تفعله في المجالين الأحمر وتحت الأحمر. لذلك تبدو النجوم للفلكيين الذين ينظرون إليها عبر الغبار أكثر حمرة مما هي فعلا. ويشابه هذا حال شمسنا الذي يميل لونها إلى الاحمرار عندما تكون بالقرب من الأفق، لأن الغبار والغاز في جو الأرض يبعثران ضوءها.
سديم رأس الحصان هو سحابة ضخمة من الغبار والغاز في كوكبة الجبار على
بعد نحو 1000 سنة ضوئية من الأرض. والنجم الساطع في الأعلى هو ريتا أوريونيس،
النجم الأقصى شرق حزام الجبار.
لقد ثبت أن حجم أكبر حبيبات الغبار البيننجمي (ما بين النجوم) يقارب حجم الجسيمات في دخان السيجارة. ويبين منحنى الإخماد extinction الخاص بالغبار البيننجمي والذي يعبر عن انخفاض شدة الضوء عند كل طول موجي، أنه ينبغي أن تكون هناك ثلاثة أنواع من حبيبات الغبار [انظر الأشكال في الصفحة 58]. إن الجسيمات التي تحجب الضوء في المجال المرئي من الطيف هي حبيبات متطاولة يبلغ عرضها نحو 0.2 ميكرون ويساوي طولها ضعف عرضها تقريبا. وتمثل هذه الجسيمات نحو 80 في المئة من الكتلة الكلية للغبار البيننجمي. وتحوي كل حبيبة نواة صخرية يحيط بها دثار مكون من مواد عضوية وجليد. وتشير حدبة في الجزء فوق البنفسجي من منحني الإخماد إلى وجود جسيمات أصغر (ذات قطر طوله نحو 0.005 ميكرون) تمثل نحو 10 في المئة من كتلة الغبار الكلية. وهذه الحبيبات، على الأرجح، مواد صلبة غنية بالكربون غير متبلورة وقد تحتوي على بعض الهدروجين مع قليل من الآزوت أو الأكسجين أو لا شيء منهما. أما الجسيمات الأصغر من ذلك، والتي يساوي قطرها نحو 0.002 ميكرون، فهي مسؤولة عن حجب الضوء في منطقة الأشعة فوق البنفسجية البعيدة. ويُعتقد أن هذه الجسيمات الضئيلة التي تمثل العشرة في المئة الباقية من كتلة الغبار هي جزيئات كبيرة مشابهة للهدروكربونات المتعددة اللفائف (الحلقات) العطرية Polycyclic aromatic hydrocarbons PAHs التي تصدر عن عادم السيارة.
وبسبب بُعد حبيبات الغبار عن النجوم، فإنها باردة جدا، حيث تصل حرارتها إلى 268- درجة سيلزية، أي إلى خمس درجات فقط فوق الصفر المطلق. وفي أربعينات القرن العشرين خرج الفلكي الهولندي الشهير
إلا أن الفلكيين لم يحصلوا على دليل قوي على النظرية إلا في بداية سبعينات القرن العشرين. فبينما كان الباحثون يدرسون الطيف دون الأحمر في ضوء النجوم الآتي عبر سحب الغبار البيننجمي، اكتشفوا خطوط الامتصاص المميزة للسيليكات المركبة من السيليكون والمغنيزيوم والحديد. وتكون السيليكات النوى الصخرية لحبيبات الغبار. وفي الوقت نفسه تقريبا، رصد العلماء أيضا خطوط الامتصاص الخاصة بالماء المتجمد في الطيف دون الأحمر. وأشارت الأرصاد اللاحقة إلى وجود أحادي أكسيد الكربون وثنائي أكسيد الكربون والفورمالديهيد وكثير من المركبات الأخرى أيضا. وتوصف هذه المواد بأنها طيارة، أي إنها تتجمد لدى تماسها مع حبيبات الغبار الباردة، لكنها تتبخر إذا حدثت تدفئة للغبار. وعلى النقيض من ذلك، توصف نوى حبيبات الغبار بأنها مقاومة للحرارة فهي تظل صلبة عند درجات الحرارة الأعلى.
ويمثل الغبار البيننجمي نحو واحد من ألف من كتلة درب التبانة، وهذا مقدار ربما يزيد على مئات أضعاف الكتلة الكلية لجميع كواكب المجرة. إن جسيمات الغبار منتشرة بكثافة منخفضة، إذ يوجد في المتوسط حبيبة غبار واحدة في كل مليون متر مكعب من الفضاء. لكن لما كان ضوء النجوم ينتشر عبر آلاف السنين الضوئية من الغبار، فإنه حتى هذه الكثافة المنخفضة تستطيع أن تكون فعالة في إخماد الإشعاع. والسؤال الآن هو: كيف أصبحت مجرتنا على هذه الحالة المغبرَّة ؟

