كان لله
جلّ جلاله وجودا أزليّا قبل خلق هذا المكان و كان عرشه العظيم فوق الماء فكان من
صفاته تعالى أنّه هو"الأوّل"، ثم بحكمته عزّ و جلّ أراد أن يعبد و أن
يسبّح و يستغفر له فخلق هذا الكون البديع بما فيه، ممّا علمنا و ممّا جهلنا، ممّا
أبصرنا و ممّا لم نبصر و ممّا أخبرنا به ربنا في كتابه أو علّمه أحدا من رسلّه أو
إستأثره في علم الغيب عنده، فخرّ كلّ مخلوق ساجدا طوعا و طمعا لربّ هذا الكون
الفسيح. و لمّا كان من صفاته- سبحانه- أنّه غفّارا خلق بحكمته و قدرته من يخطئ ثم
يتوب من الجّن والإنس ليغفر لهم برحمته، فخلق و سخّر لهم كلّ شيء لغاية واحدة ألا
و هي تحقيق العبودية له دون غيره، عبودية تتمثّل في العمل و الترك بالقول و الفعل،
عبوديّة لا يكاد يخلو جوهرها من الذكر بالشكر و بالحمد و بالثناء و بالاستغفار،
ثمّ بحكمته البالغة جعل لهم عقل مفكّر اختلفوا به في رأس هذا الأمر اختلافا كبيرا
فغيّروا و بدّلوا وأشركوا بخالقهم و خالق هذا الكون العظيم، فأتبع عزّ و جلّ سنّة
الاختلاف بسنّة بعث الرسل و الأنبياء فكانت بذلك كلّ شرائعه على طريق سواء تدعوا
كلّها إلى الصّراط المستقيم و تدعوا أيضا إلى كيفية تحقيق غاية الوجود أي كيفية
تحقيق العبوديّة. ثمّ لمّا كن سبحانه رحيما بعباده خلق لهم دار المقامة و الجزاء و
سمّاها بالجنّة و أعدّها لعباده الذين آمنوا به و برسله بالغيب دون المجادلة و دون
الخضوع لأهوائهم و الاستجابة لشياطينهم، و لمّا كان العقاب و الانتقام صفة من صفات
العزيز الجبار خلق دار العذاب و الخزي و البواء و سمّاها بالنّار و أعدّها لعباده
الذين جحدوا بدينه و أشركوا به و استكبروا بعبادته و كذّبوا بآياته و استهزؤوا
برسلّه، وهكذا فإنّ لله في خلقه شؤون يخلق و لا يخلق، يأمر و لا يؤمر و يسأل و لا
يسأل، فله سبحانه الأمر كله و لا يملك الخلق منه شيء ألبتة و قد أحاط بكل شيء علما
و لا يحيطون بشيء من علمه، فهو الذي يقضي ولا يقضى عليه فكان سبحانه هو "الآخر".
ومن حكمته جلّ و على أنّه جعل بعضّ صفاته تتجلّى في خلقه، فهو رحيم جعل الرحمة في قلوب البشر، و هو عليم أعطى العلم لأولي الألباب، و هو حكيم ألقى بالحكمة على بعض ممن يشاء من عباده، وهو جميل يحب الجمال فجعل في كلّ مخلوق جانب من الحسن، فلمّا كان سبحانه هو الأول و هو الآخر جعل لكلّ سنّة و لكلّ شيء و لكلّ مخلوق بداية و نهاية. و بين بداية أيّ شيء و نهايته مدّة تقاس بالزمن ( أو الوقت): فبين خلق الخلق مثلا و ابتلائهم ثمّ قضاء الأمر بينهم مدّة من الزمن سمّاها الله عزّ و جلّ بالعصر، والدنيا بوقت و علمه عند الله، و لعمر الإنسان و سائر المخلوقات آجال تقاس بوقت محدود، و الرسل تبعث في وقت معيّن و العذاب ينزّل في وقت معلوم، و خلق الكون في وقت محدّد و لوقت مقدّر، و يوم الساعة هي بوقت، و الوعد و الوعيد بوقت، و النصر بوقت و العبادات بوقت، و يوم القيامة محّدد بوقت، و بين المكوث في القبر و يوم البعث وقت، و هكذا أراد لسنّته سبحانه و تعالى أن تكون وصدق إذ قال : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } (1)، فالزّمن مخلوق عارض ( أي تابع) لجميع سنن الله سبحانه فلا تكاد تخلو أيّة سنّة منه. فكيف جاء إذا ذكر الزمن والوقت في القرآن و السنّة ؟ و كيف تنظر النظريات التجريبية - العلمية لمصطلح الزمن و الوقت في عصر الآلة هذا ؟ و ما هو وجه الإعجاز العلمي في القرآن و السنّة في هذا المجال؟
سنحاول بإذن الله أن نجيب عن كلّ هذه الأسئلة في بحثنا هذا راجين من الله عزّ و جلّ أن يعيننا و أن يمدنا بتوفيقه لنصرة دينه و لإعلاء كلمته غايتنا في ذلك أن نكون سببا لكي يهدي الله على ضوء أعمالنا من هم للعلم عابدون و للمادة عاكفون، و لن تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء.
الوقت في نظر العلم التجريبي و النظري:
كان "اليوم" و لا يزال الوحدة الأساسية لقياس الزمن، و لمّا اقتضت الحاجة جعل الإنسان لليوم أجزاء فقسّمه إلى ساعات و قسّم الساعة إلى دقائق والدقائق إلى ثواني، و يظل العقل البشري يجزئ مادامت الحاجة قائمة لذلك. وكما أنّ لليوم أجزاء فله مضاعفات أيضا و هي الأسبوع و الشهر و السنة. و اليوم اصطلاحا هو الفرق بين شروقين أو بين غروبين متتاليين يشمل بذلك الليل و النهار، فدوران الأرض على نفسها في أربع و عشرين ساعة هو العامل الأساسي في تحديد الوقت، فاليوم قياسا هو الفارق الزمني الذي تستغرقه الأرض لكي تلّف لفة واحدة على محورها. و ظلّت هذه الفكرة قائمة منذ أن أكتشف العالم الفيزيائي جاليلي جاليليو( 1564 -1642 ) أنّ الأرض كرويّة الشكل و أنّها ليست مسطّحة و أنّها هي التي تدور حول الشمس و ليس العكس كما كان مدوّن في الإنجيل و التوراة، فقامت بعد ذلك الكنيسة بإعدام جاليليو متّهمة إياه أنّه مشعوذ دجّال، و بعد سنوات أخرى برّئ( بضم الباء) من ذنبّه بعدما أثبت العلم التجريبي صحّة نظريته و زيف الإنجيل، فكان بذلك أولّ شرخ بين العلم و الدين في داخل المجتمع المسيحي، و كان هذا من أهمّ الأسباب التي دفعت باللائكية العلمية للظهور، لائكيه لم يسلم منها حتى رجال العلم من المسلمين و غيرهم فأعرضوا بتبنيهم لها عن جميع الشرائع السماويّة و القوانين الربّانية ضاربين بذلك كلّ المعتقدات العلمية الراسخة و الحقائق المطلقة الموجودة في كتاب الله الحكيم فأفسدوا بها عقولهم وأظلوا بها عامة الناس، فلو قرؤوا قوله عزّ و جلّ من سورة النمل : {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }(2) و قوله أيضا من سورة النبأ :{ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ٭٭ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} (3) لعلموا أن الشيء الذي هو وتد ثابت (أي الجبال) و يتحرك في آن واحد دليل منطقي و فيزيائي على أنّ حامل هذا الشيء (أي الأرض) هو الذي يتحرّك ! من علّم محمد هذا؟ من علّم هذا الرجل الأميّ قانون دوران الأرض ؟ و من قال أنّه فتراه ؟ و من قال أنّه قد استوحاه من الإنجيل فقد خاب ضنّه ! فكيف يمكن لرجل، مضى على ظهوره أربعة عشر قرنا، أن ينقل الإنجيل ثمّ يصحّح الخبر( أي دوران الأرض) في هذه النقطة بالذات؟! ثمّ يبدلها من عند نفسه بمعطيات لا يملكها عقل بشري حين ذاك بل هي معطيات أظهر العلم نهائيا صحتها قرون عديدة بعد ذلك؟! فالإنجيل زائف يعارض منطق العلوم و حكمة الخالق، أما القرآن فهو فرقان بين الجهل و العلم، بين الظلمات و النور و بين الهديّ و الضلالّة...
أمّا قوله عزّ و جلّ من سورة الغاشية{وإلى الأرض كيف سطحت}(4) لا يتعارض مع الحقائق العلميّة الثابتة كون الأرض كروية الشكل، بل في الآية إعجاز رائع حيث أنّ علماء الأرض أدركوا أنّ قطر الأرض الحالي ( و الذي يقدّر ب 12756.2 كلم ) هو القطر الأنسب لظهور الأفق ! أي أنّ هذا القطر هو الأمثل لكي يجعل أي نقطة فوق سطح الأرض مسطحّة ! أي رغم أنّ الأرض كروية غير أننا و نحن في أي بقعة من هذه الأرض نرى الأرض مسطحة على مد أبصارنا من المشرق إلى المغرب ! فلو كان قطر الأرض دون القطر التي هي عليه الآن لما أدركت أعيننا الآفاق و لا تعاقب الليل و لا النهار و لاستحالة الحياة . و في سياق هذا الإعجاز تجدر الإشارة بنا للقول أن من حكمته عزّ و جلّ جعل القرآن صالح لكل زمان و مكان، فقريش و هي تعتقد أنّ الأرض مسطحة لا مستديرة خاطبها القرآن على قدر علمها، أما بالنسبة لقارئ القرآن في عصرنا هذا فلا يسعه إلا أن يقول :{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (05) .
قام العالم البريطانيإسحاق نيوتن ( 1642 -1727 ) بإحداث ضجّة كبيرة في وسط الفيزيائيين بل في كل الأوساط العلميّة في مطلع القرن السابع عشر، و هذا بعدما أن أكتشف و وضع قانون الجاذبية مرسخا بذلك أسس الفيزياء الكلاسيكيّة العامة، حيث أعتقد الملاحظون حينها أنّه اكتشاف لن يضاهيه أيّ اكتشاف آخر في المستقبل البعيد أو القريب، و وفقا لهذا القانون الجديد ظلّ مفهوم "الزمن" في نظر الفيزيائيين وعلماء الرياضيات مفهوما مطلقا و ليس نسبي، و بالنسبة لنظرية نيوتن هذه – و التي تعرف بالفيزياء النيوتونية – تفترض أنّ الوقت ينقص ويتدفّق بنفس الوتيرة مهما أختلف المكان الذي نتواجد فيه أو اختلفت السرعة التي نسير بها، و أنّ الفراغ موّحد لكل المشاهدين المتواجدين في أيّ نقطة من الكون، فملّخص أعمال نيوتن تتضمّن أن الفضاء و الزمن ثابتين مطلقين و أنّ الأجسام الثقيلّة تنجذّب إليها الأجسام الأخرى وفقا لقانون الجاذبيّة العامة. و بعد 200 سنّة تقريبا من اكتشافات نيوتن جاءت أعمال الفيزيائي ألبرت أينشتاين ( 1879-1955 ) التي قلبت كلّ حسابات و موازين نظرية الفيزياء النيوتونية، وتقتضي هذه الأخيرة أنّ الوقت متغيّر ينقضي و يتدفق بوتيرّة مختلفة و أنّ الفراغ شأنه شأن الوقت فهو بدوره يمكنه أن يتقلّص أو يتمدّد حسب وضعية المشاهد، إذا الوقت و الفراغ هما نسبيان متغيران و ليس مطلقين ثابتين، و تضيف نظرية النسبية العامة بعدا رابعا للأبعاد الثلاثة الخاصة بالفضاء و هذا ما يعرف" بالفضاء الزمني"، ويقول أينشتاين أنّ الفضاء الزمني ليس سليم الشكل بل هو مقعّر من جراّء ثقل الأجرام السماويّة .
و أيّ شيء يمرّ بالقرب من هذه التقعرات الفضائيّة سينجذب تلقائيّا نحوها، فما كنّا نعتقده في الفيزياء النيوتونية أنّه قوة جاذبة ما هو إلا مجرّد تقعرّات في الفضاء تنجّذب الأجسام إليها. و الفضل يعود لهذه النظريّة في خدماتنا اليوم المتعلقة بالاتصالات اللاسلكية و التي تعرف بنظام جي.أس.أم M .S. G المستعملّة في أنظمة الأقمار الصناعية و الهواتف النقالة التي تستعمل تقنيّات الهوائيات المقعّرة. وهذه التقعرّات في الفضاء الزمني يمكنها أن تؤثر حتى على أدوات قياس الوقت كالساعات الميكانيكية، البيولوجية و النووّية فهي تتباطأ باقترابها من الأجسام الكبيرة الحجم المحدثة للتقعّر، و لمّا كانت الثقوب السوداء أشدّ الأجرام السماويّة كثافة من غيرها فإنّ الوقت بالقرب منها يكاد يكون متوقّف ! هذا فضلا على أنّها تجذب كلّ جسم إليها حتى الفوتونات الضوئية الضئيلة الحجم، فلهذا فإنّ الوقت قبل مرحلة الفتق ( الانفجار الكبير) كان معدوما كون النقطة التي انفجرت مكونّة لنا هذا الكون كانت في درجة هائلّة من الكثافة تؤول إلى ما لا نهاية و الزمن و المادة كانتا محبوستان و مكدّستان تحت درجة عالية من الكثافة.
ومن حكمته جلّ و على أنّه جعل بعضّ صفاته تتجلّى في خلقه، فهو رحيم جعل الرحمة في قلوب البشر، و هو عليم أعطى العلم لأولي الألباب، و هو حكيم ألقى بالحكمة على بعض ممن يشاء من عباده، وهو جميل يحب الجمال فجعل في كلّ مخلوق جانب من الحسن، فلمّا كان سبحانه هو الأول و هو الآخر جعل لكلّ سنّة و لكلّ شيء و لكلّ مخلوق بداية و نهاية. و بين بداية أيّ شيء و نهايته مدّة تقاس بالزمن ( أو الوقت): فبين خلق الخلق مثلا و ابتلائهم ثمّ قضاء الأمر بينهم مدّة من الزمن سمّاها الله عزّ و جلّ بالعصر، والدنيا بوقت و علمه عند الله، و لعمر الإنسان و سائر المخلوقات آجال تقاس بوقت محدود، و الرسل تبعث في وقت معيّن و العذاب ينزّل في وقت معلوم، و خلق الكون في وقت محدّد و لوقت مقدّر، و يوم الساعة هي بوقت، و الوعد و الوعيد بوقت، و النصر بوقت و العبادات بوقت، و يوم القيامة محّدد بوقت، و بين المكوث في القبر و يوم البعث وقت، و هكذا أراد لسنّته سبحانه و تعالى أن تكون وصدق إذ قال : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } (1)، فالزّمن مخلوق عارض ( أي تابع) لجميع سنن الله سبحانه فلا تكاد تخلو أيّة سنّة منه. فكيف جاء إذا ذكر الزمن والوقت في القرآن و السنّة ؟ و كيف تنظر النظريات التجريبية - العلمية لمصطلح الزمن و الوقت في عصر الآلة هذا ؟ و ما هو وجه الإعجاز العلمي في القرآن و السنّة في هذا المجال؟
سنحاول بإذن الله أن نجيب عن كلّ هذه الأسئلة في بحثنا هذا راجين من الله عزّ و جلّ أن يعيننا و أن يمدنا بتوفيقه لنصرة دينه و لإعلاء كلمته غايتنا في ذلك أن نكون سببا لكي يهدي الله على ضوء أعمالنا من هم للعلم عابدون و للمادة عاكفون، و لن تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء.
الوقت في نظر العلم التجريبي و النظري:
كان "اليوم" و لا يزال الوحدة الأساسية لقياس الزمن، و لمّا اقتضت الحاجة جعل الإنسان لليوم أجزاء فقسّمه إلى ساعات و قسّم الساعة إلى دقائق والدقائق إلى ثواني، و يظل العقل البشري يجزئ مادامت الحاجة قائمة لذلك. وكما أنّ لليوم أجزاء فله مضاعفات أيضا و هي الأسبوع و الشهر و السنة. و اليوم اصطلاحا هو الفرق بين شروقين أو بين غروبين متتاليين يشمل بذلك الليل و النهار، فدوران الأرض على نفسها في أربع و عشرين ساعة هو العامل الأساسي في تحديد الوقت، فاليوم قياسا هو الفارق الزمني الذي تستغرقه الأرض لكي تلّف لفة واحدة على محورها. و ظلّت هذه الفكرة قائمة منذ أن أكتشف العالم الفيزيائي جاليلي جاليليو( 1564 -1642 ) أنّ الأرض كرويّة الشكل و أنّها ليست مسطّحة و أنّها هي التي تدور حول الشمس و ليس العكس كما كان مدوّن في الإنجيل و التوراة، فقامت بعد ذلك الكنيسة بإعدام جاليليو متّهمة إياه أنّه مشعوذ دجّال، و بعد سنوات أخرى برّئ( بضم الباء) من ذنبّه بعدما أثبت العلم التجريبي صحّة نظريته و زيف الإنجيل، فكان بذلك أولّ شرخ بين العلم و الدين في داخل المجتمع المسيحي، و كان هذا من أهمّ الأسباب التي دفعت باللائكية العلمية للظهور، لائكيه لم يسلم منها حتى رجال العلم من المسلمين و غيرهم فأعرضوا بتبنيهم لها عن جميع الشرائع السماويّة و القوانين الربّانية ضاربين بذلك كلّ المعتقدات العلمية الراسخة و الحقائق المطلقة الموجودة في كتاب الله الحكيم فأفسدوا بها عقولهم وأظلوا بها عامة الناس، فلو قرؤوا قوله عزّ و جلّ من سورة النمل : {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }(2) و قوله أيضا من سورة النبأ :{ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ٭٭ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} (3) لعلموا أن الشيء الذي هو وتد ثابت (أي الجبال) و يتحرك في آن واحد دليل منطقي و فيزيائي على أنّ حامل هذا الشيء (أي الأرض) هو الذي يتحرّك ! من علّم محمد هذا؟ من علّم هذا الرجل الأميّ قانون دوران الأرض ؟ و من قال أنّه فتراه ؟ و من قال أنّه قد استوحاه من الإنجيل فقد خاب ضنّه ! فكيف يمكن لرجل، مضى على ظهوره أربعة عشر قرنا، أن ينقل الإنجيل ثمّ يصحّح الخبر( أي دوران الأرض) في هذه النقطة بالذات؟! ثمّ يبدلها من عند نفسه بمعطيات لا يملكها عقل بشري حين ذاك بل هي معطيات أظهر العلم نهائيا صحتها قرون عديدة بعد ذلك؟! فالإنجيل زائف يعارض منطق العلوم و حكمة الخالق، أما القرآن فهو فرقان بين الجهل و العلم، بين الظلمات و النور و بين الهديّ و الضلالّة...
أمّا قوله عزّ و جلّ من سورة الغاشية{وإلى الأرض كيف سطحت}(4) لا يتعارض مع الحقائق العلميّة الثابتة كون الأرض كروية الشكل، بل في الآية إعجاز رائع حيث أنّ علماء الأرض أدركوا أنّ قطر الأرض الحالي ( و الذي يقدّر ب 12756.2 كلم ) هو القطر الأنسب لظهور الأفق ! أي أنّ هذا القطر هو الأمثل لكي يجعل أي نقطة فوق سطح الأرض مسطحّة ! أي رغم أنّ الأرض كروية غير أننا و نحن في أي بقعة من هذه الأرض نرى الأرض مسطحة على مد أبصارنا من المشرق إلى المغرب ! فلو كان قطر الأرض دون القطر التي هي عليه الآن لما أدركت أعيننا الآفاق و لا تعاقب الليل و لا النهار و لاستحالة الحياة . و في سياق هذا الإعجاز تجدر الإشارة بنا للقول أن من حكمته عزّ و جلّ جعل القرآن صالح لكل زمان و مكان، فقريش و هي تعتقد أنّ الأرض مسطحة لا مستديرة خاطبها القرآن على قدر علمها، أما بالنسبة لقارئ القرآن في عصرنا هذا فلا يسعه إلا أن يقول :{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (05) .
قام العالم البريطانيإسحاق نيوتن ( 1642 -1727 ) بإحداث ضجّة كبيرة في وسط الفيزيائيين بل في كل الأوساط العلميّة في مطلع القرن السابع عشر، و هذا بعدما أن أكتشف و وضع قانون الجاذبية مرسخا بذلك أسس الفيزياء الكلاسيكيّة العامة، حيث أعتقد الملاحظون حينها أنّه اكتشاف لن يضاهيه أيّ اكتشاف آخر في المستقبل البعيد أو القريب، و وفقا لهذا القانون الجديد ظلّ مفهوم "الزمن" في نظر الفيزيائيين وعلماء الرياضيات مفهوما مطلقا و ليس نسبي، و بالنسبة لنظرية نيوتن هذه – و التي تعرف بالفيزياء النيوتونية – تفترض أنّ الوقت ينقص ويتدفّق بنفس الوتيرة مهما أختلف المكان الذي نتواجد فيه أو اختلفت السرعة التي نسير بها، و أنّ الفراغ موّحد لكل المشاهدين المتواجدين في أيّ نقطة من الكون، فملّخص أعمال نيوتن تتضمّن أن الفضاء و الزمن ثابتين مطلقين و أنّ الأجسام الثقيلّة تنجذّب إليها الأجسام الأخرى وفقا لقانون الجاذبيّة العامة. و بعد 200 سنّة تقريبا من اكتشافات نيوتن جاءت أعمال الفيزيائي ألبرت أينشتاين ( 1879-1955 ) التي قلبت كلّ حسابات و موازين نظرية الفيزياء النيوتونية، وتقتضي هذه الأخيرة أنّ الوقت متغيّر ينقضي و يتدفق بوتيرّة مختلفة و أنّ الفراغ شأنه شأن الوقت فهو بدوره يمكنه أن يتقلّص أو يتمدّد حسب وضعية المشاهد، إذا الوقت و الفراغ هما نسبيان متغيران و ليس مطلقين ثابتين، و تضيف نظرية النسبية العامة بعدا رابعا للأبعاد الثلاثة الخاصة بالفضاء و هذا ما يعرف" بالفضاء الزمني"، ويقول أينشتاين أنّ الفضاء الزمني ليس سليم الشكل بل هو مقعّر من جراّء ثقل الأجرام السماويّة .
و أيّ شيء يمرّ بالقرب من هذه التقعرات الفضائيّة سينجذب تلقائيّا نحوها، فما كنّا نعتقده في الفيزياء النيوتونية أنّه قوة جاذبة ما هو إلا مجرّد تقعرّات في الفضاء تنجّذب الأجسام إليها. و الفضل يعود لهذه النظريّة في خدماتنا اليوم المتعلقة بالاتصالات اللاسلكية و التي تعرف بنظام جي.أس.أم M .S. G المستعملّة في أنظمة الأقمار الصناعية و الهواتف النقالة التي تستعمل تقنيّات الهوائيات المقعّرة. وهذه التقعرّات في الفضاء الزمني يمكنها أن تؤثر حتى على أدوات قياس الوقت كالساعات الميكانيكية، البيولوجية و النووّية فهي تتباطأ باقترابها من الأجسام الكبيرة الحجم المحدثة للتقعّر، و لمّا كانت الثقوب السوداء أشدّ الأجرام السماويّة كثافة من غيرها فإنّ الوقت بالقرب منها يكاد يكون متوقّف ! هذا فضلا على أنّها تجذب كلّ جسم إليها حتى الفوتونات الضوئية الضئيلة الحجم، فلهذا فإنّ الوقت قبل مرحلة الفتق ( الانفجار الكبير) كان معدوما كون النقطة التي انفجرت مكونّة لنا هذا الكون كانت في درجة هائلّة من الكثافة تؤول إلى ما لا نهاية و الزمن و المادة كانتا محبوستان و مكدّستان تحت درجة عالية من الكثافة.
